د.معتصم محسن
قبل ايام معدودات اختتمت فعاليات مسابقة غزة للقصة القصيرة التي اقامتها مؤسسة الخُلق العظيم للدراسات الأخلاقية التابعة للعتبة الحسينية المقدسة في مدينة كربلاء العراقية ، حيث جاءت هذه المسابقة تعبيراً عن مدى التضامن الأخوي بين الشعبين العراقي والفلسطيني ، وكان لي الشرف أن أكون أحد الفائزين بتلك الجائزة ، وهذه كانت فرصة عظيمة لزيارة هذا البلد العريق بشعبه وناسه وحضارته الممتدة عبر العصور ، لن أتحدث عن مدى الحفاوة والترحيب وحسن الاستقبال الذي قوبلتُ به من قبل طاقم المؤسسة خاصة ، والشعب العراقي عامة ، فهذا أمر ليس بغريب على شعب طالما كانت الاخوة بالدم والروح هي الرابط بيننا كفلسطينيين وعراقيين . ولكنني سأقف عند تلك البقعة الجميلة بمحتواها الديني الذي انعكس على أخلاق أهلها وإن دلّ انما يدل على مدى عمق فكرهم الديني الذي أساسه الدين الاسلامي والشريعة الاسلامية ، في كربلاء المقدسة كان مكان اقامتي ، بالقرب من المكان الذي سيتم تكريمنا كفائزين بالمسابقة.
لم يكن الوقت كافياً للتعمق بالأجواء الكربلائية التي اذا أردت أن تتعرف عليها وجب عليك عدد من الأيام ليس بقليل ، ومع هذا فقد حاولت أن أكون أفرب الى أي معلومة أردت أن اعرفها وكانت غائبة عني ، فعمدت الى الخروج للتعرف على المدينة ومرافقها الدينية الجميلة ، فقد كان مكان استضافتي في اجواء العتبة الحسينية ” حيث المكان الذي سيتم به تكريم الفائزين ” ، سالعتبة الحسينية هو المكان الذي يُعتقد أن الحسين بن علي عليه السلام دفن فيه بعد معركة كربلاء عام 61 هـ، ويقصده المسلمين من طائفة الشيعة لأجل زيارته والتبرك بمرقده ،تقع في وسط مدينة كربلاء المقدسة، وتعتبر هي والروضة العباسية المقدسة مركز المدينة الذي تحيط به المدينة القديمة والمركز التجاري والسياحي والإقتصادي ومن ثم السكني .
وأول ما يجذب ناظرك عند دخول ذلك المكان هو مدى الاهتمام العميق من قبل المسؤولين بنظافة وترتيب المكان وخصوصاً البناء الذي اعتمد على الزخرفة الاسلامية في جوانبه ، وقبابه ، عدا عن الحضور التاريخي لزواياه التي بنيت منذ قرون ، قتنجذب أنظار الزوار لتلك الجمالية االهندسية في أركان المكان عامة .
في مدينة كربلاء المقدسة تختلط وتمتزج المذاهب و العقائد ، “ولن أخوض هنا بالأمور الدينية ، بالنهاية الدرب واحد والشريعة واحدة وهي الايمان بالله ونبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم “، فترى مدى التحابب والتضافر بين الاهالي هناك سنة كانوا أو شيعة.
عندما تسير في أنحاء تلك البقعة المقدسة أو تقف على قارعة الطريق ،أو حتى اذا جلست في مكان كمطعم أو محل لبيع الحلوى ، وحتى بقالة صغيرة ، فتنجذب للحديث مع من يجلسون هناك ، تراهم عندما يعرفون أنك فلسطيني ، يهمّون واقفين مقاطعين حديثك بقولهم ” على راسي والله الشعب الفلسطيني ، عزيز وغالي والله ” وهنا يُفتح باب الحديث عن مدى المحبة التي تربط الشعبان بعضهما ببعض ، ومدى الأخوة المتعمقة في وجدان كلاهما ، فالمشاعر واحدة والقضية واحدة ، فلا تخلو نقاشات أو احاديث من التطرق الى القضية الفلسطينية والاحداث الدائرة في فلسطين .
ولأن فترة اقامتي في المدينة كانت محدودة بأيام قليلة ، لم يتسن لي التعمق في الأجواء والأماكن هناك ، فلم أستطع التنقل لزيارة باقي المدن والاماكن العراقية ، الاّ شارع المتنبي الذي كانت زيارتي له صدفة بعد أن اضطررت لتأجيل موعد سفري ، ذلك المكان أو الشارع الذي طالما عرف عنه بأنه شارع الأدباء والمفكرين ،حيث يرتاده الفنانين والأدباء والطلاب عادة لشراء واقتناء المراجع والكتب العلمية ، عدا عن وجود المقاهي الأدبية التي تجمع عامة الشعب وخصوصا المثقفين ، ولا ننسى اليوم المميز هناك وهو يوم الجمعة حيث يتميز بحضور كببير للمثقفين والطلاب والناس عامة منذ الصباح للاستمتاع بالفعاليات الفنية والثقافية التي يحتضنها، وتصفّح مختلف العناوين الأدبية التي تعرضها أكشاك بيع الكتب المنتشرة على طول الشارع.
تجولت في الشارع لدرجة أنني قضيت يومي كاملاً هناك ، وصليت الجمعة في مسجد تحدّث خطيب المسجد خلال خطبته عن ما يدور في فلسطين من أحداث ودعا لأهلنا في غزة وفي كل مكان ، ثم ذهبت برفقة زميل لي رافقني في تلك الزيارة الى جسر الشهداء الذي يقطع نهر دجلة ، والتقطنا بعض الصور التذكارية هناك ، لاختم زيارتي في منطقة الشواكة وتناول وجبة سمك ” حمري ” مشوي على الحطب ، “سميّت المنطقة بالشواكة نسبة إلى الشوك وعروق الحطب التي كانت ترد من أطراف بغداد عبر النهر وتستخدم وقودا للمخابز ، وهي منطقة قديمة ذات أهمية تاريخية وتجارية ،عُرفت بتنوع بضائعها وأهميتها التاريخية، ويمنح قرب منطقة الشواكة من نهر دجلة ميزة أخرى لها، وهي انتشار محال بيع الأسماك، فضلاً عن اعتياد العائلة البغدادية على “سقف” السمك وخاصة خلال أيام العطل والأعياد ” .
انتهت زيارتي لهذا المكان العريق الذي هو واحد من مئات الأماكن التاريخية والحضارية والدينية التي تنتشر في عراق الحضارة ، لاعود أدراجي إلى بلدي ومسقط رأسي فلسطين حاملاً ذكرى جميلة ، من بلد جميل وشعب رائع ، على أمل أن أعود إلى بلدي الثاني العراق الحبيب ، لأتعرف أكثر على هذا البلد الجميل بأهله على مختلف أطيافهم الدينية ، ومعالمه التي تنبع من تاريخ عميق امتد عبر العصور حتى يومنا هذا .